الشيخ الطبرسي

473

تفسير مجمع البيان

قائما ، والسقيم يصلي جالسا وعلى جنبه أي : مضطجعان . فسمى الصلاة ذكرا ، رواه علي بن إبراهيم في تفسيره . ولا تنافي بين التفسيرين ، لأنه غير ممتنع وصفهم بالذكر في هذه الأحوال ، وهم في الصلاة ، وهو قول ابن جريج وقتادة . ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) أي : ومن صفة أولي الألباب أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض ، ويتدبروا في ذلك ، ليستدلوا به على وحدانية الله تعالى ، وكمال قدرته ، وعلمه وحكمته ثم يقولون : ( ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ) أي : ما خلقت هذا الخلق عبثا . وقيل : بالباطل وللباطل ، بل لغرض صحيح ، وحكمة ومصلحة ، ليكون دليلا على وحدانيتك ، وحجة على كمال حكمتك . ثم ينزهونه عن كل ما لا يليق بصفاته ، أو يلحق نقصا بذاته فيقولون ( سبحانك ) أي : تنزيها لك عما لا يجوز عليك ، فلم تخلقهما عبثا ، ولا لعبا ، بل تعريضا للثواب والأمن من العقاب ( فقنا عذاب النار ) بلطفك الذي يتمسك معه بطاعتك . وفي هذه الآية دلالة على أن الكفر والقبائح والضلال ليست خلقا لله ، لأن هذه الأشياء كلها باطلة بلا خوف . وقد نفى الله تعالى ذلك بحكايته عن أولي الألباب الذين رضي أقوالهم ، بأنه لا باطل فيما خلقه ، فيجب بذاك القطع على أن القبائح كلها غير مضافة إليه ، ومنفية عنه ، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . ثم حكى عن أولي الألباب الذين وصفهم بأنهم أيضا يقولون ( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) قيل فيه وجوه أحدها : إن معناه فضحته وأهنته ، فيكون منقولا من الخزي ، ونظيره قوله : ( ولا تخزون في ضيفي ) . وثانيها : قول المفضل إن معناه أهلكته ، وأنشد : أخزى الإله من الصليب إلهه ، * واللابسين ملابس الرهبان وثالثها : إن معناه أحللته محلا ، ووقفته موقفا يستحيا منهم ، فيكون منقولا من الخزاية التي معناها الاستحياء . وقال ذو الرمة : خزاية أدركته بعد جولته * من جانب الدف مخلوطا به الغضب واختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية : فروي عن أنس بن مالك ، وسعيد بن المسيب ، وقتادة وابن جريج : أن الاخزاء يكون بالتأبيد في النار ، وهي